عاجل:

ترامب يطرق باب بوتين بورقة غير متوقعة… وكييف تخشى الثمن

  • ٣٩

تدرس إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فتح مسار جديد مع موسكو يقوم على تخفيف العقوبات مقابل إطلاق سراح محتجزين تصفهم واشنطن ومعارضون روس بـ"السجناء السياسيين"، في مقاربة تسعى إلى توسيع الحوار مع الكرملين بالتوازي مع جهود إنهاء الحرب في أوكرانيا، وفق صحيفة "لو موند".

وبحسب الصحيفة، اقترح البيت الأبيض على مجلس الشيوخ، في 28 أيلول، الموافقة على تعيين جون كول، المبعوث الأميركي الحالي لدى بيلاروسيا، سفيرًا للولايات المتحدة.

وبرز كول، وهو محام سابق لترامب، خلال عام 2025 بعدما نجح في التوصل مع نظام الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو إلى إطلاق سراح مئات السجناء السياسيين مقابل رفع عقوبات أميركية، ولا سيما تلك المفروضة على البوتاس، الذي يشكل عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد البيلاروسي.

وفي مقابلة مع قناة "ناستويشتشي فريميا" الروسية المعارضة في 17 أيلول، أعرب كول عن أمله في عودة بيلاروسيا، الحليف الأبرز لموسكو، إلى "عائلة الأمم". ووفق "لو موند"، يعتزم المبعوث الأميركي محاولة تكرار النموذج نفسه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو ما كانت مجلة "ذي أتلانتيك" قد كشفته في 29 أيلول.

ووصفت مديرة مركز روسيا وأوراسيا في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية تاتيانا كاستويفا-جان هذا النوع من المقايضة بأنه ليس جديدًا بالكامل، معتبرة أنه يشبه "دبلوماسية الرهائن" خلال الحرب الباردة، لكن المقايضة هذه المرة تجري بين "أرواح وعقوبات" بدلًا من تبادل السجناء.

وتأتي المبادرة في وقت وقّع فيه ترامب، في 18 أيلول، قانونًا يمنحه صلاحية فرض عقوبات مشددة على روسيا وشركائها التجاريين. وكان السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي توفي بصورة مفاجئة في تموز، من المشاركين في صياغة مشروع القانون.

وبحسب "لو موند"، تخدم مبادرة كول عدة أهداف لإدارة ترامب، بينها إعادة دمج روسيا في الاقتصاد العالمي وتعزيز الحوار مع الكرملين خارج الملف الأوكراني، فضلًا عن فتح الطريق أمام اتفاقات تجارية محتملة بشأن النفط والديزل والعناصر الأرضية النادرة ومواد خام روسية أخرى.

وأضافت الصحيفة أن ترامب يرى أيضًا أن الخطوة قد تعزز فرص ترشحه لجائزة نوبل للسلام، كما قد تمنحه، عشية انتخابات التجديد النصفي في 3 تشرين الثاني، فرصة لعرض تقدم ملموس في العلاقات مع الكرملين بعد أكثر من عام من تعثر مفاوضات السلام بشأن أوكرانيا.

وترى إدارة ترامب أن تقديم حوافز اقتصادية قد يشجع بوتين على توقيع اتفاق سلام مع أوكرانيا.

وكان ترامب قد أعلن، في 21 أيلول عبر منصة "تروث سوشال"، أن اتفاقًا تجاريًا "كبيرًا" يجري التفاوض بشأنه مع بيلاروسيا لشراء الولايات المتحدة أسمدة بيلاروسية قائمة على البوتاس، مشيرًا إلى أن روسيا طرف في هذه المفاوضات.

وفي حال إبرام الاتفاق، تقول "لو موند" إنه قد يشكل جزءًا من توسيع العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة وروسيا خارج الملف الأوكراني، مع احتمال تخفيف العقوبات الأميركية على موسكو.

ويرغب ترامب كذلك في الحصول على أسمدة بأسعار أقل للمزارعين الأميركيين الذين يواجهون ارتفاعًا في الأسعار، والضغط على كندا، المورد الرئيسي للأسمدة إلى الولايات المتحدة، وسط الخلاف التجاري بين البلدين. وقال ترامب إن السعر سيكون "أقل بكثير مما ندفعه حاليًا لكندا".

ويُعد جاريد كوشنر، صهر ترامب ومبعوثه إلى الكرملين، بحسب الصحيفة، من أبرز المدافعين عن ما يصفه بـ"اتفاقات الازدهار" بين واشنطن وموسكو، التي يرى مؤيدوها أنها قد تسهم في تهدئة الطموحات التوسعية للكرملين.

وقال كول لـ"ذي أتلانتيك" إن زيادة التبادل التجاري يمكن أن تقود إلى مزيد من التسويات في الملفات الاقتصادية وقضايا السجناء وغيرها، بما يسمح بالتقدم تدريجيًا نحو السلام.

وتعود فكرة مقايضة إطلاق السجناء السياسيين بتخفيف العقوبات، وفق "لو موند"، إلى لقاء عقده كول في الربيع مع المعارض الروسي دميتري موراتوف، رئيس التحرير السابق لصحيفة "نوفايا غازيتا" والحائز بالمشاركة على جائزة نوبل للسلام لعام 2021، والذي يدافع عن إطلاق سراح السجناء السياسيين في روسيا. ورفض موراتوف التعليق للصحيفة.

في المقابل، يرفض الكرملين توصيف هؤلاء المحتجزين بـ"السجناء السياسيين". وقال المتحدث باسمه دميتري بيسكوف، في 30 أيلول، إن روسيا "تنفي بشكل قاطع" وجود سجناء سياسيين لديها، معتبرًا استخدام هذا المصطلح "غير مناسب تمامًا".

وبحسب مدافعين روس عن حقوق الإنسان، يتراوح عدد السجناء السياسيين في روسيا بين 3 آلاف و5 آلاف.

إلا أن الاستراتيجية الأميركية المقترحة تثير اعتراضات في واشنطن وكييف. ونقلت "لو موند" عن الباحث كيريل روغوف قوله إن النموذج الذي قد يكون مقبولًا في بيلاروسيا لا ينطبق على روسيا، محذرًا من أن تخفيف العقوبات سيعزز اقتصادها الحربي وآلتها العسكرية، وهو أمر اعتبره غير مقبول لأوروبا وأوكرانيا.

وفي واشنطن، دعا أربعة رؤساء مشاركين ديمقراطيين وجمهوريين لـ"تجمع أوكرانيا في الكونغرس"، الذي يضم 104 أعضاء في مجلس النواب، إدارة ترامب إلى التخلي عن أي تخفيف للعقوبات، محذرين في بيان صدر في 29 أيلول من أن الخطوة "ستشجع روسيا وتطيل أمد الحرب".

وفي كييف، تتزايد الانتقادات لما يراه عدد من الأوكرانيين عدم إدراك شركائهم الغربيين لطموحات بوتين. واعتبر الباحث في "أتلانتيك كاونسل" بيتر ديكنسون أن الغزو الروسي لأوكرانيا لا يتعلق، من وجهة نظره، بمجرد ضم أراضٍ أو نزاع حدودي، بل بمسعى لإنهاء وجود الدولة الأوكرانية وإحياء الإمبراطورية الروسية.

بدوره، اعتبر أستاذ العلاقات الدولية في معهد الدراسات السياسية في باريس زكي لعيدي أن السجناء السياسيين "مجرد ذريعة"، واصفًا الترتيب المقترح بأنه جزء من مسار تقارب اقتصادي بين موسكو وواشنطن.

وفي موازاة ذلك، لم يؤد رفع واشنطن العقوبات عن البوتاس البيلاروسي في كانون الأول 2025 إلى تغيير كبير في وضع مينسك، بسبب استمرار العقوبات الأوروبية التي تعرقل طرق تصدير الأسمدة، ومنها عبر ميناء كلايبيدا الليتواني.

وبحسب الصحيفة، تضغط واشنطن على ليتوانيا للسماح باستخدام الميناء، الذي يشكل أقصر طريق لعبور البوتاس البيلاروسي، إلا أن وزير الخارجية الليتواني كيستوتيس بودريس رفض الطلب الأميركي، مؤكدًا أن البضائع البيلاروسية لا يمكنها دخول أراضي الاتحاد الأوروبي أو العبور عبرها ما دامت العقوبات سارية، والمقرر تجديدها في شباط 2027.

وكانت ليتوانيا قد أعلنت، في 22 أيلول، أن موانئها ستبقى مغلقة أمام شحنات البوتاس البيلاروسي، في خطوة قد تعرقل الاتفاق التجاري "الكبير" الذي أعلن ترامب أن بلاده تتفاوض بشأنه.

المنشورات ذات الصلة