عاجل:

جابر: الموازنة ليست أرقاماً إنها رؤية الحكومة والمطلوب أن تصبح أداة لقيادة التعافي وبناء الدولة

  • ٣٧

قال وزير المالية ياسين جابر، خلال إفتتاحه أعمال مؤتمر مشروع "دعم إعداد الموازنة الوطنية وتحسين الإنفاق العام في لبنان"، المنفذ من خلال برنامج SIGMA التابع لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) وبالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، وذلك في السرايا الحكومية: "أود أن أبدأ بتوجيه الشكر إلى الاتحاد الأوروبي، ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي OECD، ومبادرة SIGMA، على دعمهم المستمر للبنان، ولا سيما في مسار تعزيز الإدارة المالية العامة وإصلاح عملية إعداد الموازنة وتحسين الإنفاق العام".

أضاف: "إن هذا الدعم يأتي في مرحلة بالغة الأهمية بالنسبة إلى لبنان، لأن إصلاح الموازنة ليس إصلاحاً تقنياً فحسب، بل هو جزء أساسي من إعادة بناء الدولة وقدرتها على التخطيط والتنفيذ وتحقيق النتائج.

تابع: "لبنان اليوم ما زال يواجه تراكم أزمات حادة، فيما خلّفت الحرب والاعتداءات الاسرائلية المستمرة تداعيات إنسانية واقتصادية ومادية هائلة، وألحقت أضراراً كبيرة بالبنية التحتية والممتلكات.

وفي ظل هذا الواقع، اعتمدنا، وما زلنا نعتمد، مساراً ذو بُعدين متلازمين:

الأول، الاستجابة السريعة للأزمات وتلبية الاحتياجات الملحّة؛

والثاني، الاستعداد للتعافي والعمل على المحركات الاستراتيجية للنهوض فور توافر الظروف الملائمة.

وهذا التلازم هو في صلب مسؤوليتنا اليوم.

فالاستجابة للأزمات تتطلب، في ظل استمرار عدم الاستقرار، انضباطاً مالياً صارماً وأولوية واضحة للإنفاق.

الى حين انجاز إعادة هيكلة مكتملة للقطاع المالي والمصرفي، واستعادة الثقة، وإمكانية الوصول إلى أسواق رأس المال، يبقى الحفاظ على الانضباط المالي وعلى موازنة متوازنة ركيزة أساسية للاستقرار المالي والنقدي.

وقد تمكنا، رغم الظروف الصعبة والمتطلبات المتزايدة، من الحفاظ على سلامة المالية العامة وتفادي الانزلاق إلى اختلالات مالية قد تقوّض الاستقرار، وذلك من خلال ترتيب صارم لأولويات الإنفاق، وإدارة منضبطة للسيولة، وجهد مستمر في تعبئة الإيرادات.

لقد كان هذا الانضباط ضرورياً، لكنه ليس هدفنا النهائي".

وإستطرد جابر: "فإذا كانت الموازنة قد شكلت، خلال سنوات الأزمة، أداة لإدارة المخاطر والحفاظ على الاستقرار، فإن المرحلة المقبلة تتطلب أن تصبح أداة لقيادة التعافي وبناء الدولة.

وهنا تبدأ عملية إصلاح إعداد الموازنة، الموازنة ليست أرقاماً — إنها رؤية الحكومة. نحن بحاجة إلى الانتقال من موازنة هدفها الأساسي ضبط الإنفاق وتحقيق التوازن بين الإيرادات والنفقات، إلى موازنة استراتيجية تعكس رؤية الحكومة وأولوياتها.

فالموازنة ليست مجرد عملية محاسبية، الموازنة هي الترجمة المالية لسياسات الحكومة وهي الأداة التي نحوّل من خلالها: الرؤية إلى أولويات، والأولويات إلى سياسات، والسياسات إلى برامج، والبرامج إلى اعتمادات، والاعتمادات إلى نتائج قابلة للقياس ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يحكم إعداد الموازنة لم يعد فقط: كم نستطيع أن ننفق؟ بل:ماذا نريد أن نحقق؟ وما هي الموارد التي نحتاجها لتحقيقه؟ وهذا هو جوهر الانتقال إلى الموازنة الاستراتيجية والموازنة القائمة على البرامج والنتائج.

إن مسؤولية الموازنة هي مسؤولية حكومية متكاملة وهذا التحول يتطلب تغييراً جوهرياً في طريقة إعداد الموازنة".

وأردف: "يجب أن تصبح الموازنة عملية حكومية متكاملة، تقوم على مسؤولية مشتركة وواضحة لدى جميع ادارات الدولة ومؤسساتها، يبدأ المسار من مجلس الوزراء، الذي يحدد الرؤية والأهداف والأولويات الاستراتيجية للحكومة، ثم تنتقل هذه الأولويات إلى الوزارات والإدارات العامة، التي يجب أن تتولى مسؤولية ترجمتها إلى استراتيجيات قطاعية وأهداف وبرامج واعتمادات واضحة، وأن تحدد الموارد اللازمة لتنفيذها. فالوزارة التي تضع السياسة وتنفذها يجب أن تمتلك القدرة على التخطيط لها، وتحديد مواردها، وقياس نتائجها، وأن تتحمل في المقابل مسؤولية أكبر عن هذه النتائج".

ولفت جابر الى ان "وزارة المالية، فدورها هو وضع الإطار المالي، وتحديد القيود والإمكانات المتاحة، وضمان الانضباط المالي الكلي والاستدامة المالية، والتأكد من أن الخيارات والسياسات تنسجم مع الموارد المتاحة والأهداف العامة للحكومة.

وهنا يأتي دور الإطار المالي متوسط الأجل — MTFF، الذي يحدد السقف المالي الذي يجب أن تتحرك ضمنه السياسات الحكومية، وبسقوف واضحة للوزارات والقطاعات، وربط الموارد بالأولويات بكفاءة وضمانة الاستخدام الأفضل للموارد".

وأكمل جابر: "إن توزيع المسؤوليات وتعزيز المساءلة عبر الوزارات والإدارات هو شرط أساسي للانتقال إلى موازنة استراتيجية حقيقية.

وهنا يأتي دور شركائنا، ولا سيما OECD وSIGMA، في دعم بناء القدرات وتطوير الأنظمة والأطر المؤسساتية التي تسمح لهذا التحول بأن يصبح مستداماً.

إن التحول الرقمي جزء من الإصلاح ولا يمكن أن ننجح في هذا المسار من دون تحديث أدواتنا.

فالانتقال إلى موازنة حديثة يتطلب تبسيط الإجراءات، وتحسين جودة البيانات، وربط التخطيط بإعداد الموازنة وبالتنفيذ والتقارير، والعمل على بناء أنظمة رقمية متكاملة.

فالتحول الرقمي ليس مجرد تحديث تكنولوجي. إنه أداة لإعادة تنظيم العمل الحكومي نفسه وهو ما يسمح لنا بالانتقال من إجراءات مجزأة إلى دورة متكاملة للموازنة، ومن التخطيط القصير الأجل إلى التخطيط الاستباقي، ومن التركيز على بنود الإنفاق إلى التركيز على السياسات والبرامج والنتائج.

إن إصلاح الموازنة هو إصلاح لمنهجية العمل في الدولة، نحن ندرك أن الانتقال من واقعنا الحالي إلى نظام حديث لإدارة الموازنة هو مسار متوسط الأجل، ولن يتحقق بين ليلة وضحاها".

وتابع جابر مستدركا: "لكن علينا أن نبدأ اليوم، وأن نكون واضحين بشأن أهدافنا:

نريد موازنة أكثر شفافية واستراتيجية، نريد وزارات وإدارات تتمتع بمسؤولية أكبر، وبقدرة أكبر على التخطيط، وبمساءلة أكبر عن الموارد التي توضع في عهدتها، ونريد أن يُقاس الإنفاق العام ليس فقط بما إذا كان قد تم ضمن الاعتماد المخصص، وإنما أيضاً بما حققه للمواطن.

لأن تحسين الإنفاق العام لا يعني فقط أن ننفق أقل، بل أن ننفق أفضل، وأن نوجه مواردنا المحدودة إلى ما يحقق أكبر أثر ممكن".

واعتبر الوزير جابر "إن إصلاح إعداد الموازنة في لبنان هو في جوهره إصلاح لطريقة عمل الحكومة. أما الموازنة فهي ليست مجرد أرقام، إنها تعكس خياراتنا الوطنية، وتحدد أولوياتنا، وتترجم رؤيتنا، واليوم نطمح للانتقال: من موازنة لإدارة الأزمة إلى موازنة تقود التعافي، ومن الانضباط المالي كضرورة، إلى التخطيط الاستراتيجي كأداة لبناء الدولة".


المنشورات ذات الصلة