عاجل:

رفع اسم سوريا من قائمة الإرهاب الأميركية.. خطوة نحو الانفتاح وإعادة الاندماج الدولي

  • ١٢

شكّل قرار الولايات المتحدة رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في 24 آب الماضي، محطة بارزة في مسار التحولات التي تشهدها البلاد، بعد نحو 47 عاماً على إدراجها في القائمة، وفتح الباب أمام توسيع العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية مع مختلف الدول.


ويأتي القرار في وقت تعمل فيه الدولة السورية على إعادة بناء مؤسساتها وتعزيز حضورها الداخلي والخارجي، بالتوازي مع توسيع دائرة التواصل الدبلوماسي والانفتاح على المحيطين العربي والدولي.


ولا يقتصر أثر القرار على الجانب السياسي، إذ يخفف أحد أبرز القيود التي كانت تعقّد تعامل المصارف والشركات الدولية مع سوريا، ويفتح المجال أمام فرص أكبر للاستثمار وإعادة الإعمار، في ظل مساعي دمشق لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتطوير قدراتها.


من العزلة إلى الانفتاح


أكد وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني أن رفع اسم سوريا من القائمة جاء نتيجة «التحول الذي صنعه السوريون»، معتبراً أنه يعكس التزام الدولة السورية الجديدة بالأمن والسلام الدوليين، والتعاون والشراكة مع الولايات المتحدة ودول العالم.


من جهته، رأى المحلل السياسي ناصر زهير من باريس أن القرار يحمل دلالة سياسية كبيرة، باعتباره ينهي واحدة من أقدم صور العزلة التي طبعت العلاقة بين دمشق وواشنطن لعقود.


وقال إن خروج سوريا من القائمة يعكس تغيراً في النظرة الأميركية إليها، بحيث لم تعد العلاقة قائمة حصراً على الاحتواء والعزلة، بل تتجه تدريجياً نحو مساحة أوسع من التواصل والتعامل.


إعادة بناء المؤسسات في صلب المرحلة


وتحتل عملية إعادة بناء المؤسسات الأمنية موقعاً محورياً في المرحلة الجديدة، إذ أكد وزير الداخلية أنس خطاب أن إزالة اسم سوريا من القائمة جاءت بعد جهود لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز دورها في حماية المواطنين والمجتمع.


وأشار إلى أن وزارة الداخلية وجهاز الاستخبارات العامة أديا دوراً في مكافحة الإرهاب وملاحقة التنظيمات الإرهابية وترسيخ سيادة القانون، مؤكداً أن سوريا تنتقل من مرحلة كانت تُتهم فيها مؤسسات الدولة بدعم الإرهاب إلى مرحلة تعمل فيها على مكافحته وملاحقة مرتكبيه بالتعاون مع المجتمع الدولي.


وتبرز أهمية تثبيت الأمن وسيادة القانون وضبط الحدود ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وحماية المدنيين، باعتبارها ركائز أساسية لاستعادة الاستقرار وتعزيز قدرة الدولة على أداء دورها داخلياً وخارجياً.


مكافحة الإرهاب.. بوابة للتعاون الأمني


وتزامنت إعادة بناء المؤسسات مع انخراط سوريا بصورة أكبر في الجهود الدولية لمواجهة تنظيم «داعش» والتنظيمات الإرهابية، من خلال تعزيز التعاون الأمني وتبادل المعلومات وملاحقة الشبكات الإرهابية ومصادر تمويلها.


وتشمل هذه الجهود حماية الحدود، وتبادل المعلومات، ومكافحة تمويل الإرهاب، والتعامل مع المعتقلين، وصولاً إلى تفكيك التنظيمات الإرهابية، ما يوفر أرضية لتوسيع التعاون الأمني بين سوريا وشركائها الإقليميين والدوليين.


العدالة وترسيخ سيادة القانون


ويشكل تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم مساراً أساسياً في عملية بناء الدولة واستعادة الثقة بمؤسساتها.


وفي هذا الإطار، أكد وزير الداخلية استمرار ملاحقة المتورطين في مجازر الأسلحة الكيميائية التي ارتكبها النظام السابق، مشدداً على أن «لن يفلت أي مجرم من العقاب مهما طال الزمن».


ويرى ناصر زهير أن مسار المحاسبة يعكس قدرة الدولة على تحمل مسؤولياتها وإرساء سلطة القانون، كما يساعد على الفصل بين الدولة السورية الحالية والممارسات التي ارتُكبت في عهد النظام السابق، وهو ما يعتبره ضرورياً لبناء صورة جديدة لسوريا على الساحة الدولية.


الاقتصاد وإعادة الإعمار.. الرهان الأكبر


يُعد الجانب الاقتصادي من أبرز تداعيات القرار الأميركي، إذ كان إدراج سوريا على القائمة يفرض مخاطر قانونية على المصارف والشركات والمستثمرين الراغبين في التعامل مع السوق السورية.


ويرى زهير أن رفع التصنيف يبعث برسالة سياسية واقتصادية في آن واحد، مفادها أن سوريا تسعى إلى العودة للأسواق وفتح المجال أمام التعامل الاقتصادي بصورة طبيعية.


وتزامنت الخطوة مع انعقاد معرض دمشق الدولي، في وقت ظهرت فيه مؤشرات على عودة تدريجية للتعاملات المالية الدولية، من بينها تنفيذ شركتي «فيزا» و«ماستركارد» أولى المعاملات الدولية بالبطاقات داخل سوريا بعد رفع التصنيف الأميركي.


لكن جذب الاستثمارات لا يتوقف على رفع اسم سوريا من القائمة، إذ يحتاج المستثمر، وفق زهير، إلى الاستقرار والتشريعات الواضحة ونظام مصرفي قادر على التعامل مع الخارج وضمانات لحماية رأس المال.


ومن هنا، يضع القرار الاقتصاد السوري أمام فرصة للاستفادة من الانفتاح المتزايد، بالتوازي مع إصلاح البيئة القانونية والمالية وتعزيز أداء المؤسسات، بما يدعم إعادة الإعمار ويهيئ الظروف لاستقطاب الاستثمارات.


نحو حضور إقليمي أوسع


يفتح الانفتاح الخارجي أمام سوريا مجالاً لتعزيز حضورها الإقليمي والدولي، خصوصاً في الملفات المرتبطة بأمن المنطقة ومكافحة الإرهاب وضبط الحدود.


وتسعى دمشق إلى تحويل هذا الانفتاح إلى مسار مستدام، عبر بناء مؤسسات فاعلة وتعزيز الأمن وسيادة القانون وتوسيع التعاون مع الدول العربية والمجتمع الدولي.


وبذلك، لا يمثل رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب مجرد تغيير في تصنيف أميركي، بل محطة في مسار أوسع تسعى من خلاله دمشق إلى تجاوز إرث العزلة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، واستعادة العلاقات الدولية، وتهيئة الظروف لمرحلة اقتصادية وسياسية جديدة

المنشورات ذات الصلة