عاجل:

من استولى على وسط بيروت؟ سوليدير والدولة وأملاك الناس… 30 عامًا بلا محاسبة

  • ٧٧

وسط بيروت ليس مجرّد عقارات.

إنه بيوت عائلات، محال، مكاتب، أراضٍ وحقوق ورثها أصحابها جيلاً بعد جيل.

لكن بعد الحرب، دخلت الدولة اللبنانية في مشروع إعادة إعمار غير مسبوق، وأصدرت القانون 117 عام 1991، الذي فتح الباب أمام إنشاء شركات عقارية تتولى إعادة تنظيم وإعمار المناطق المتضررة. وبعد ذلك تأسست «سوليدير» عام 1994 لإعادة إعمار وسط بيروت.

كان عنوان المشروع: إعادة إعمار العاصمة.

ملكية خرجت من يد أصحابها، وحقوق تحولت إلى أسهم، وأصحاب أملاك وجدوا أنفسهم أمام منظومة قانونية وعقارية لم يعد القرار فيها بأيديهم.

على مدى سنوات، وثّقت شهادات ومواقف لأصحاب حقوق اعتراضهم على الآلية التي نُقلت بموجبها حقوقهم، وعلى ما اعتبروه عدم إنصاف في المقابل الذي حصلوا عليه، فيما ذهبت دراسات ومقالات قانونية إلى انتقاد نظام الاستملاك وآلية التعويض واعتبار أن عدداً من أصحاب الحقوق أُرغموا على الدخول في هذه الصيغة.

وهنا تبدأ مسؤولية الدولة.

لأن سوليدير لم تولد خارج الدولة، ولم تعمل خارج القانون.

الدولة هي التي وضعت الإطار التشريعي.

والحكومات المتعاقبة هي التي أبقت هذا الإطار قائماً.

وفي عام 2005 جرى تمديد مهمة الشركة لعشر سنوات إضافية، فيما ينتهي التفويض الحالي في 2029، واليوم يُبحث تمديد جديد لعقود إضافية.

أي أن ما بدأ كحل استثنائي لإعادة إعمار بيروت، استمر أكثر من ثلاثة عقود.

نعم، ارتبط مشروع سوليدير باسم الرئيس رفيق الحريري، وكان مشروع إعادة إعمار وسط بيروت أحد أبرز مشاريعه السياسية والاقتصادية.

لكن المسؤولية عن استمرار هذا النموذج لا يمكن وضعها على عهد واحد فقط.

فالقوانين صدرت، والقرارات اتُخذت، والتمديدات حصلت في عهود وحكومات متعاقبة.

ومنذ 1994 وحتى اليوم، مرّ لبنان بعشرات الحكومات والمجالس النيابية والعهود السياسية، ومع ذلك بقي ملف حقوق أصحاب الأملاك مفتوحاً.

وهنا تكمن خطورة القضية:

إذا كان هناك ظلم أو غبن بحق أصحاب الحقوق، فليس المسؤول فقط من أنشأ النظام، بل أيضاً كل سلطة عرفت بالمشكلة وامتلكت القدرة على تصحيحها ولم تفعل.

وهذا هو جوهر المساءلة.

لا يجوز أن تتحول إعادة الإعمار إلى غطاء دائم لتقييد حق الملكية.

ولا يجوز أن يصبح القانون الذي وُضع لمرحلة استثنائية أداة مستمرة لإدارة ملكيات وحقوق الناس لعقود.

ولا يجوز أن يبقى المواطن هو الطرف الأضعف أمام الدولة والشركات والنفوذ السياسي.

اليوم تعود القضية إلى الواجهة

«سوليدير» تسعى إلى تمديد جديد، والحديث المطروح يصل إلى تمديد طويل الأمد؛ فيما عاد أصحاب الحقوق إلى رفع الصوت والاعتراض والتحرك قانونياً وشعبياً.

وهنا يجب أن تكون الدولة واضحة:

قبل أي تمديد جديد، يجب فتح الحساب القديم.

ما هي قيمة الأملاك التي دخلت في المشروع؟

ما الذي حصل عليه أصحابها فعلياً؟

ما قيمة الأسهم والتعويضات مقارنة بالقيم العقارية؟

والأهم: من يتحمل المسؤولية السياسية والقانونية إذا ثبت وجود غبن أو مخالفة أو انتقاص من حقوق الملكية؟

إنها معركة من أجل حق المواطن في أن تكون الدولة فوق المصالح، لا في خدمة المصالح.

فإذا كانت الدولة اليوم تتحدث عن الإصلاح ومحاربة الفساد واستعادة الثقة، فإن ملف وسط بيروت يجب أن يكون واحداً من الملفات التي تخضع للتدقيق الكامل.

الملكية الخاصة حق دستوري، وإعادة الإعمار ليست تفويضاً مفتوحاً لمصادرة حقوق الناس أو تعطيلها.

ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس خطاباً سياسياً جديداً، بل تدقيقاً قانونياً ومالياً وعقارياً مستقلاً يكشف كامل مسار الملف منذ عام 1991 وحتى اليوم.

وإذا أظهر التدقيق أن أصحاب حقوق خسروا ما يستحقونه، فالدولة مطالبة بالمعالجة والإنصاف.

وإذا ثبتت مخالفات أو مسؤوليات، فالمحاسبة يجب أن تطال كل من شارك في القرار أو سكت عنه، أياً كان العهد وأياً كان الموقع وأياً كان الاسم.

لأن الفساد لا يصبح أقل فساداً عندما تتوارثه الحكومات.

والتجاوز لا يتحول إلى حق بمجرد مرور السنوات.

إنه جزء من ذاكرة اللبنانيين، وملكيات أصحاب الحقوق ليست تفصيلاً في مشروع إعادة الإعمار.

وبعد أكثر من ثلاثين عاماً، آن الأوان لقول الحقيقة كاملة:

العهد الجديد أمام الاختبار

بعد أكثر من ثلاثين عاماً، تقع المسؤولية اليوم على الدولة الجديدة ورئيس الحكومة.

فتح ملف سوليدير لا يعني استهداف شركة أو شخص، بل يعني فتح تدقيق قانوني ومالي وعقاري مستقل وشفاف، والاستماع إلى أصحاب الحقوق ونشر النتائج أمام الرأي العام.

إذا كان كل شيء قد جرى وفق القانون، فلتثبت الوثائق ذلك.

وإذا كشف التدقيق عن غبن أو مخالفة أو انتقاص من حقوق أصحاب الملكية، فليأخذ القانون مجراه، أياً كان المسؤول وأياً كان العهد.

وسط بيروت تستحق الحقيقة، وأصحاب الحقوق يستحقون الإنصاف، والدولة مطالبة اليوم بأن تثبت أن القانون فوق النفوذ، وأن المصلحة العامة فوق أي مصلحة خاصة.

المنشورات ذات الصلة