عاجل:

منسى بين شرف الجندي ووفاء الدم: دفاعٌ عن موقف لم يكن ضد الدولة

  • ٧٠
لم يكن اعتذار وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى، الذي وجّهه إلى أهالي الشهداء، مجرّد بيان عابر يُقرأ ويُطوى، بل كان صرخة ضمير من رجل قضى أربعين عاماً في خدمة المؤسسة العسكرية، ووجد نفسه في لحظة فارقة أمام خيار صعب: أن يصمت فيرتاح، أو أن يتكلّم فيُتهم بأنه يقف في وجه الدولة ومؤسّساتها.

والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: اللواء منسى لم يكن يوماً ضدّ الحكومة أو ضد مجلس النواب في موضوع قانون العفو العام. لم يكن اعتراضه على حق المجلس النيابي في التشريع، ولا على صلاحية الحكومة في تمثيل الدولة. اعتراضه كان أعمق من ذلك بكثير، وأصدق: كان دفاعاً عن مبدأ لا يجوز أن يُختزل في جلسة تشريعية عابرة، وهو أن شعارات "شرف، تضحية، وفاء" ليست كلمات تُرفع في المناسبات وتُطوى بعدها، بل التزام يومي تجاه من دفعوا أرواحهم ثمناً لبقاء هذا الوطن.

شرف الجندي لا يُفاوَض عليه

حين تحدّث منسى عن ضرورة التروي في درس البنود المتعلقة بجرائم الإرهاب ضمن اقتراح قانون العفو، لم يكن ذلك مُماطلة أو تعطيلاً، بل كان تذكيرًا بأن هذه البنود تمسّ الأمن القومي وسيادة الدولة وكرامة العسكريين والشهداء. فشرف الجندي، كما يراه الوزير، لا يكتمل إلا بأمر واحد بسيط وعميق في آن: ألا يُفرَّط بحقّه بعد استشهاده. فالجندي الذي يذهب إلى الجبهة يعرف أن دمه أمانة، وأن الدولة التي أرسلته هي نفسها التي يجب أن تحميه، حياً كان أم شهيدًا. ولهذا كان موقف منسى واضحًا: "لا مرور لزمن على دماء الشهداء، ولا تقادم على الجرائم المرتكبة بحق الجيش والأجهزة الأمنية."

التضحية ليست شعارًا موسميًا

الجندي الذي يقاتل لآخر نفس دفاعًا عن أرضه وشعبه لا يفعل ذلك بحثًا عن مكسب سياسي أو موقع في مساومة، بل لأنه يؤمن بأن الوطن يستحق. وهذا الإيمان هو ما يجب أن تحميه الدولة، لا أن تُخضعه لحسابات اللحظة. فحين يقاتل الضابط أو الجندي، فهو لا يسأل لمن ينتمي خصمه أو حليفه، بل يسأل كيف يحمي وطنه. ومن هنا فإن أي قانون، مهما كانت أهدافه الإنسانية والاجتماعية النبيلة، يجب أن يُدرس بعناية فائقة حين يمسّ ملفات ارتبطت بدماء العسكريين، لأن التسرّع فيها قد يُفهم ولو خطأً على أنه تهاون بثمن تلك التضحيات.

الوفاء للدم والهُويّة

أما الوفاء، فهو الخيط الذي يربط الدولة بشهدائها وأحيائها معاً. وفاء لا يعني الوقوف ضد المصالحة أو ضدّ طيّ الجراح، بل يعني ألا تُطوى صفحة الشهداء من دون أن تسمع الدولة، رسميًا وعلى منبرها الأعلى، صوت المؤسسة التي قدّمتهم. ولذلك، حين وجد الوزير منسى نفسه في موقف مُنع فيه من إيصال ملاحظات قيادة الجيش إلى قاعة مجلس النواب، لم يكن اعتراضه شخصيًا ولا فئويًا، بل كان تمسّكًا بحقّ الجيش في أن يُسمع، خصوصًا أن المؤسّسة العسكرية كانت وما زالت خط الدفاع الأول عن استقرار البلاد.

موقف مؤسسة لا موقف فرد

ما عبّر عنه اللواء منسى، بدموعه أحيانًا وبصمته أحيانًا أخرى، لم يكن تحدياً للشرعية، بل تذكيرًا بأن الشرعية نفسها تُقاس بمدى وفائها لمن حموها. فالرجل الذي أمضى عمره بالزي العسكري لا يمكن أن يتحول فجأة إلى خصم للدولة، بل هو أحد أعمدتها الذين يذكّرونها، حين تنشغل بالحسابات، بأن هناك دماً لا يجوز أن يُنسى، وهُويّة لا يجوز أن تُساوم، ووطناً يستحقّ أن يبقى صوت جيشه مسموعًا لا مكتوماً.

وكما قال في ختام بيانه: "لن يكون الصمت قدرًا، ولن يكون خذلان الأمس خاتمة الحكاية."
المنشورات ذات الصلة