مع تشديد ماليزيا سياستها تجاه الإسرائيليين، تتزايد التحذيرات من السفر إليها أو حتى المرور عبر مطاراتها في رحلات ترانزيت، وسط شهادات عن احتجاز مسافرين واستجوابات وُصفت بالمهدِّدة ومعاملة عدائية، فيما يحذّر سفير إسرائيلي سابق من أن المخاطر لم تعد تقتصر على الإسرائيليين، بل قد تطاول أيضاً يهوداً يحملون جوازات سفر أجنبية.
وبحسب تقرير للصحافي آساف فاكنين في موقع "ماكو" الإسرائيلي، شددت ماليزيا خلال الأشهر الأخيرة لهجتها تجاه الإسرائيليين، فيما أكد رئيس الوزراء الماليزي في مقابلة إعلامية أن بلاده ستواصل منع السياح الإسرائيليين من دخول أراضيها، وأن أي إسرائيلي يُعثر عليه داخل البلاد، بما في ذلك حاملو الجنسية المزدوجة، سيتم ترحيله.
وأكد رئيس الوزراء أن ماليزيا لن تغيّر سياستها المعتمدة منذ سنوات، رغم الانتقادات والضغوط التي مارسها مشرّعون أميركيون، بعدما طلبوا من الإدارة في واشنطن إعادة النظر في العلاقات الأمنية والاقتصادية مع كوالالمبور على خلفية التصريحات المتعلقة بالإسرائيليين.
ومن أبرز من يعرفون الواقع الماليزي عن قرب، إيلي فيرد حزان، سفير إسرائيل السابق في سنغافورة والسفير غير المقيم لدى تيمور الشرقية، الذي عمل مراراً بالتعاون مع وزارة الخارجية الإسرائيلية لمساعدة إسرائيليين جرى توقيفهم أو واجهوا مشكلات في ماليزيا.
وقال فيرد حزان في حديث إلى "ماكو": "حتى بالنسبة إليّ، قبل أن أصل لخدمة دولة إسرائيل سفيراً في سنغافورة، كانت منطقة جنوب شرق آسيا أقل معرفة بالنسبة إليّ مقارنة بأوروبا والولايات المتحدة. وأنا لست مختلفاً، ومعظم الإسرائيليين مثلي".
وأضاف أنه، وفق تقديرات مختلفة، وصل في السنوات الأخيرة إلى ما يُعرف بـ"آسيان"، أي رابطة دول جنوب شرق آسيا التي تضم 11 دولة، ملايين الإسرائيليين بصورة تراكمية، إلا أن المعرفة بالمنطقة لا تزال محدودة.
وأشار إلى أن أحد أسباب ذلك يعود، بحسب قوله، إلى أن "إسرائيل دولة غربية تعمل وفق منظومة من القواعد والقيم التي تختلف أحياناً عن تلك المعمول بها في الشرق".
وتحدث فيرد حزان عن تجربته سفيراً في سنغافورة، قائلاً إن "سنغافورة مختلفة عن أي دولة أخرى، إذ توجد فيها منظومة مذهلة من الانسجام العرقي، ويقوم نهج الدولة على أن دينك أو أصلك لا يهم، وعليك احترام كل شخص، وإذا لم تفعل ذلك فستتعرض لعقوبة شديدة".
وأضاف أن ذلك كان أحد الأسباب التي دفعته إلى كتابة كتابه "سنغافورة: النموذج الذي يعمل".
وتابع: "لا شك في أن آسيا هي المستقبل. نحن نتحدث عن قارة ساحرة ومتنوعة، وفي معظم دولها تنمو شريحة سكانية شابة ومتعطشة إلى النجاح".
لكنه أضاف أن ما يجب معرفته أيضاً، وفق تعبيره، هو أن عدداً غير قليل من الدول يضم مجموعات سكانية مسلمة "تكن عداءً شديداً لإسرائيل واليهود".
وقال إن ماليزيا، التي وصفها بأنها "تزداد تشدداً يوماً بعد يوم"، يبلغ عدد سكانها نحو 36 مليون نسمة، ولديها "علاقة مباشرة ودافئة مع حركة حماس".
وأضاف أن تايلاند، التي يقصدها إسرائيليون بأعداد كبيرة لقضاء العطل، تضم مناطق كاملة ذات غالبية مسلمة يقدَّر عدد أفرادها بنحو 7 ملايين شخص، أي قرابة 10% من عدد السكان، وتواجه، بحسب كلامه، أحداثاً أمنية متعددة.
أما الفلبين، التي يبلغ عدد سكانها 119 مليون نسمة وتُعد دولة ذات غالبية كاثوليكية واضحة، فتضم أيضاً نحو 7 ملايين مسلم، وقال إن الغالبية العظمى منهم لديها موقف سلبي جداً تجاه إسرائيل.
وربط فيرد حزان تصاعد هذه المواقف بما جرى بعد أحداث 7 تشرين الأول والحرب التي خاضتها إسرائيل، قائلاً إن سكان المنطقة "تلقوا صورة مشوهة للغاية عن الواقع، ما أدى إلى زيادة الكراهية".
واتهم وسائل الإعلام الدولية وشبكات التواصل الاجتماعي بنشر ما وصفه بـ"الأكاذيب" و"الافتراءات"، مضيفاً أن ذلك أدى أيضاً إلى تصريحات من سياسيين سعوا إلى تحقيق مكاسب سياسية وأسهموا في زيادة التوتر.
وقال: "الإسرائيليون شعروا بذلك بدرجة أقل، أما نحن فعشنا ذلك".
وفي حديثه عن ماليزيا تحديداً، أوضح فيرد حزان أنها قريبة جداً من سنغافورة، وقال إن المسافة بين مقر إقامة السفير والمعبر الحدودي كانت نحو 27 كيلومتراً فقط، أي ما يعادل قرابة ساعة ونصف الساعة بالسيارة.
وأضاف: "لكن بقدر ما كنا قريبين جغرافياً، كنا بعيدين جيوسياسياً ودينياً".
وتابع أنه حتى قبل أحداث 7 تشرين الأول، كانت ماليزيا، بحسب وصفه، "دولة إشكالية، تضم حركات إسلامية معادية لليهود وإسرائيل، وقيادات سياسية معادية للسامية".
وقال إن الأمور ازدادت تشدداً منذ بدء وصول المشاهد من غلاف غزة.
وأوضح فيرد حزان أنه حتى وقت قريب، كان إسرائيليون يحملون جوازات سفر أجنبية، إضافة إلى يهود لا يحملون جواز سفر إسرائيلياً، يدخلون ماليزيا ويغادرونها.
وأضاف أن للبلاد أهمية اقتصادية في منظمة حيوية بالنسبة إلى العالم، إلا أنه أكد أن السفارة بدأت خلال الأشهر الأخيرة تشعر بأن "شيئاً ما تغيّر، وبصورة دراماتيكية".
وقال: "ماليزيا أصبحت خطرة ليس فقط على الإسرائيليين، بل أيضاً على اليهود الذين لا يحملون الجنسية الإسرائيلية".
وأضاف أن هذه المسألة بدأت تشغل السفارة أكثر فأكثر، وأنه مع مرور الوقت اكتشف، بحسب تعبيره، "عالماً كاملاً لا يعرفه الإسرائيليون، وهو التعقيد الماليزي".
وأشار السفير السابق إلى أن عدداً غير قليل من الإسرائيليين كانوا يستخدمون رحلات ربط في جنوب شرق آسيا تمر عبر كوالالمبور، عاصمة ماليزيا.
وقال إن كثيراً منهم، سواء كانوا يحملون جوازات سفر إسرائيلية أو أجنبية، جرى توقيفهم أحياناً لأيام كاملة بعدما وصلوا إلى هناك من دون أن يكونوا مدركين لحساسية الوضع.
وأضاف: "حتى اليوم، لا نتحدث عن تجربة تشبه المشاهد التي يعرضها فيلم ميدنايت إكسبرس، لكن العداء الماليزي واضح جداً. الاستجوابات مزعجة ومهدِّدة وغير منصفة وأحياناً مثيرة للقلق".
وأوضح أنه، إلى جانب القنصلية في السفارة الإسرائيلية في سنغافورة نوعام أفنات، وموظفين في وزارة الخارجية الإسرائيلية بدول مختلفة في المنطقة، تعامل مع عدد من الحالات التي اضطروا خلالها إلى العمل في منتصف الليل من أجل مساعدة إسرائيليين على الخروج من حالات احتجاز ومضايقات داخل المطار الماليزي.
وأضاف: "كان علينا الحفاظ على السرية، لأن أي نشر كان سيزيد من صعوبة إطلاق سراحهم".
وتابع أن رئيس الوزراء الماليزي "يزيد لهجته ضدنا أكثر فأكثر"، مضيفاً أنه عندما تُنشر قضية من هذا النوع، "يسارع الماليزيون إلى إثبات أنهم ملتزمون بعدائهم لإسرائيل"، على حد تعبيره.
وقال فيرد حزان إن عدداً من الإسرائيليين الذين تحدث معهم هو والقنصلية أدلوا بشهادات عن معاملة عدائية، وهو ما دفعهم إلى توصية الإسرائيليين واليهود بعدم دخول ماليزيا أو المرور عبرها بأي شكل.
وأضاف أن الوضع تفاقم بصورة كبيرة أخيراً، "حتى إن يهوداً يحملون جوازات سفر أجنبية يخضعون لاستجوابات غير مريحة، ولا نعرف إلى أي مدى يمكن أن يكون وضع الشخص التالي الذي سيتم توقيفه خطيراً".
كما وجّه نصائح للإسرائيليين الذين يزورون دولاً أخرى في جنوب شرق آسيا، داعياً إياهم إلى التصرف بأدب وعدم لفت الأنظار.
وقال: "ليس لأننا لا نفتخر بإسرائيليتنا، لا سمح الله، بل العكس تماماً، وإنما لأن الواقع تغير، وفي عصر شبكات التواصل الاجتماعي والكراهية التي تشعلها، أصبحت الأمور أكثر تعقيداً".
وأضاف أنه عند التقاط صور أو تسجيل مقاطع فيديو أثناء السفر، يُفضل نشرها على شبكات التواصل الاجتماعي فقط بعد العودة إلى إسرائيل.
وختم فيرد حزان بالقول إن من المهم أن يعرف كل إسرائيلي ما يجري في هذه المنطقة، معتبراً أن المسألة تتعلق بـ"حياة أشخاص".
وبذلك، لم تعد التحذيرات الإسرائيلية تقتصر على الدخول المباشر إلى ماليزيا، بل امتدت إلى مجرد المرور عبر مطاراتها، في ظل مناخ تقول شهادات إسرائيلية إنه بات أكثر تشدداً وحساسية خلال الأشهر الأخيرة.